F1(2).pngبقلم: عدنان الطائي

كلنا نعلم بان المؤرخين قسموا البشرية إلى 3 أجناس عرقية وهي: السامية والحامية والآرية فكان نصيب العرب السامية ونصيب الأفارقة الحامية ونصيب الأوروبيين الآرية ما أدى هذا التقسيم إلى التباغض والكراهية حتى وصل الحال إلى التقاتل بين بني البشر إذن فأن هذا التقسيم لا مسوغ له لأنه يفرق ولا يجمع.ومن هذا المنطلق أود أن ألقي الضوء على معنى كلمة سامية التي تهمنا نحن العرب؛ هل أن الساميين هم من صلب سام بن نوح أم ماذا تعني عند استقرائنا واستنباطنا للتاريخ؟. وقبل الإجابة عن هذا السؤال , أود أن أعطي نبذة تاريخية عن أقوام الجزيرة العربية الذين اتصفوا بالسامية وانتشروا فيما بعد على طول الهلال الخصيب وأصبحوا شعوبا وقبائل.
لقد امتازت شبه الجزيرة العربية بمياهها الدائمة الجريان وأمطارها دائمة الهطلان في العصور السابقة ألا أنها تعرضت إلى تغييرات مناخية في نهاية العصر الجليدي الأخير وهو العصر الرابع في حدود الـ 15000 قبل الميلاد وبدء الفترة الدفئية للقسم الشمالي من الكرة الأرضية وجفاف القسم الجنوبي منها والتي منها شبه الجزيرة العربية فتصحرت أراضيها وجفت أنهارها ما اضطر الإنسان والحيوان إلى الهجرة إلى أماكن ذات موارد مائية دائمة. فمن البديهي إن كل أولئك المهاجرين هم من جنس واحد وقومية واحدة ألا وهي القومية السامية العربية فكانت لغتهم واحدة هي اللغة السامية والتي تسمى بـ الأم التي هي اقرب إلى لغة بدو الجزيرة الحالية ويطلق عليهم أيضا الجزريون وكان إلههم واحدا اسمه أيل وقد احتفظت دياناتهم بطابعها البدوي السامي وبالتقاليد القديمة السائدة في شبه الجزيرة وخارجها حتى اقترن كثير من الأسماء والمدن بهذا الإله؛ وعلى سبيل المثال بابل وتعني باب - أيل أي باب الإله وإسرائيل وتعني أسرة - أيل أي عبد الإله والخليل تعني خل - أيل أي صديق الإله ومن صفات هذا الإله هو القادر على كل شيء والحاكم المطلق لا ينافسه منافس فأصبحت فكرة التوحيد عربية المهد.. فاخذوا يتوزعون ابتداء على أطراف الجزيرة العربية المحاذية للبحر الأحمر وبحر العرب بعد أن بدأ التصحر من وسط الجزيرة لأن الشريط الساحلي الذي يمتد من عُمان إلى حضرموت إلى اليمن وصعودا شمالا بمحاذاة البحر الأحمر؛ فهي ارض صالحة للسكن والعيش. فتعتبر هذه الهجرة هي أول هجرة لتلك الأقوام ويُعتقد بأنها بدأت في الألف العاشرة قبل الميلاد ثم تبعتها هجرات أخرى فمنهم من استقر في فلسطين وسوريا ولبنان ومنهم من توجه غربا نحو طور سيناء وأطراف النيل ومنهم من توجه شرقا نحو بلاد وادي الرافدين وخاصة شمال نهر الفرات فأصبحوا شعوبا مختلفة من سومريين وبابليين وآشوريين واكديين وكلدانيين وفينيقيين وأحباش وغيرهم وقد ثبت بان هؤلاء تربطهم وشائج اللغة والتراث الصحراوي الذين كانوا ينتمون إليه جميعا بدلالة قول الأستاذ طه باقر: إن جذور الأفعال في هذه اللغات واللهجات ثلاثية وان للزمن صيغتين: صيغة الماضي وصيغة المضارع وإن تصاريف الأفعال متشابهة كما وجد المؤرخ فليب حتي أيضا أن أصول المفردات ومنها الضمائر والأسماء دالة على القرابة الدموية إضافة لكونها دالة على أنها متفرعة من لغة واحدة هي الأم كما قلنا. ثم استمرت هذه الهجرات من الجزيرة العربية مدة تزيد على 2500 سنة بصورة متواصلة حتى ظهرت على المسرح موجة العرب الكبرى فشملت الهلال الخصيب بأجمعه وشمال إفريقيا والأندلس. وهذا يعني أن أقواماً ما قبل التاريخ الذين هم العبيد واريدو والذين استوطنوا جنوبي العراق هم عرب جزريون ساميون وقد أسسوا فيما بعد حضارات جديدة باسم السومريين أي بعد انتهاء الطوفان والذي سمي بعصر فجر السلالات أو عصر التاريخ لظهور الكتابة المسمارية والأختام الاسطوانية على الرغم من أن الأستاذ طه باقر قد رجح بقوله: إن أهل حضارة العُبيد الذين سبقوا السومريين هم الذين أوجدوا الخط المسماري وهذا يعني أن الإنسان بدأ بتسجيل تاريخه قبل الطوفان وليس بعد الطوفان كما يدعي البعض وبنفس الوقت دحض لنظرية أن السومريين هم من غير العرب كما يعتقد البعض من أنهم من أصل هندي أو من أصل أفغاني أو من أواسط أسيا الصغرى. إذن تعتبر هذه الحضارة أي حضارة العبيد هي الأساس الحضاري السامي المشترك بين كل هذه المواقع فكانت تؤلف وحدة حضارية سامية تتصل اتصالا مباشرا بلا عائق طبيعي يعوقها بجزيرة العرب من كل الأطراف.

دلالات
ومن هذه النبذة التاريخية القصيرة استطيع الآن أن ألقي الضوء على معنى كلمة السامية ودلالتها التاريخية والعلمية حيث تبين من الوقائع التاريخية والبحوث أن تسمية السامية أطلقت على الشعوب التي زُعم أنها انحدرت من صلب سام بن نوح إذ تبين أن هذه التسمية لا تستند إلى وقائع تاريخية بدلالة أن كلمة سامية في لغة العرب تعني قبائل سكنوا جبالا مرتفعة أو أراضي مرتفعة فتعني عند ذلك السمو والارتفاع وقد أيدت التوراة هذا المعنى في سفر اشعيا (1:6) القائل: شاهدت السيد جالسا على عرش مرتفع سام. وعند دراستنا لتضاريس الجزيرة العربية نلاحظ صحة ذلك بأن هناك سلسلة جبال تحيط بالجزيرة صالحة للسكن كما أسلفنا فإذا ما زاد عدد السكان عن طاقة الأرض كان على الفائضين أن يبحثوا لهم عن مدى حيوي يعيشون منه. إذ لم يكن باستطاعتهم التوسع في وسط البلاد لأنه صحراوي ولا اجتياز البحر لعدم امتلاكهم وسائل النقل لذلك فلم يبق إلا أن يسلكوا طريق الساحل الغربي من الجزيرة نحو الشمال حيث يتفرع عنه شبه جزيرة سيناء إلى وادي النيل والهلال الخصيب وشرقا إلى بلاد ما بين النهرين لوفرة المياه والكلأ وعلى هذا الأساس أُطلق على تلك الأقوام التي هاجرت إلى الهلال الخصيب بالأقوام السامية لنزوحها من تلك المرتفعات وهذا قد حصل قبل ظهور نوح وأبنائه على ساحة الأحداث الذين عاشوا قبل وبعد الطوفان والذي حدث في الألف الثالثة قبل الميلاد.. وعليه فإن تسمية السامية لم تؤخذ من سام بن نوح بل جاءت تسمية اصطلاحية اقترنت بعرب الجزيرة وقد ذهب أكثر المؤرخين من أن العرب والساميين شيء واحد وهي أكثر تناغما مع الواقع التاريخي والعلمي وأحسن من عبر عن الرأي القائل بوجوب تسمية الأقوام السامية وكل من سكن الجزيرة العربية أو خرج منها بالعرب هو الباحث والمؤرخ الكبير الدكتور جواد علي الذي قال: إني سأطلق لفظة عرب على جميع سكان الجزيرة بغض النظر عن الزمان الذي عاشوا فيه ولعلني لا أكون مخطئا أو مبالغا إذا قلت إن الوقت قد حان لاستبدال مصطلح سامي وسامية بعربي وعربية فقد رأينا أن تلك التسمية هي تسمية مصطنعة.  ومن هذه الرؤى نصل إلى دحض النظرية القائلة أن العدنانيين هم عرب مستعربة بل هم عرب عاربة شأنهم شأن الذين نزحوا إلى اليمن والمناطق الأخرى من الهــــلال الخصيب.