طباعة

M3(9).png

 

ألف الرحالة ويلفريد ثيسيغر، الملقب بـ «مبارك بن لندن» « كتاب «البلاد السعيدة» الذي يُعد مثل كتاب لورانس «أعمدة الحكمة السبعة» يتميز بقوة الملاحظة وعمقها ودقتها ليصل إلى استنتاجات هائلة حول الصحراء وطبيعة الحياة بها، واستمراريتها عبر التاريخ.
يصل إلى استنتاجات ومقارنات بين الحضارات البشرية وديمومتها وتلاشيها. فهو في انطلاقه من وصف حياة الصحراء ومظاهرها وسرابها وأطلالها. جاب صحراء الربع الخالي المتحولة باستمرار بفعل العواصف والرمال التي تبتلع قطعان الماشية والبدو. وقبل ذلك جاب صحارى الحبشة وتشاد ومراكش وأهوار العراق باعتبارها تمارين أولية لرحلته الكبرى في جنوب الجزيرة العربية.
من آرائه: «أفضل صفات العرب جاءت من الصحراء ألا وهي إيمانهم الديني العميق، الذي وجد تعبيره في الإسلام. وإحساسهم بالانتماء الذي يربطهم بأشخاص يعتنقون نفس الدين، واعتدادهم بجنسهم وكرمهم وحسن ضيافتهم وحرصهم على كرامة الآخرين كإخوانهم في الانسانية، وطيب معشرهم وشجاعتهم وصبرهم، واللغة التي يتكلمونها.. وحبهم الحماسي للشعر».
ويتابع ويلفريد ثيسيغر حديثه في هذا السياق: «تأملت في تأثير العرب على تاريخ العالم، بدا لي أنه شيء ذا مغزى أن عرب الصحراء هم الذين فرضوا خصائصهم على الجنس العربي، والتي انتشرت مع الفتح العربي. ومن ثم أسسوا امبراطورية تزيد مساحتها عن مساحة امبراطورية روما. وكانوا قد خرجوا من الصحراء متحدين بفضل دينهم الجديد».

صداقات مع أبناء القبائل العربية
لم يكن «ويلفرد ثيسيغر» الوحيد الذي قطع رمال الربع الخالي وعبرها، إنما سبقه الرحالة برترام توماس وهاري سانت جون فلبي، إلا أن مبارك بن لندن وحسب الرواة كان أكثر من وصف الربع الخالي وحدد طبيعته ووصف أهله، بل تعايش معهم إلى درجة أنه استبدل ملابسه التي كان يرتديها سابقا، بالثوب والغترة وتجرد من ملابسه الأوروبية وتحزم بالخنجـر العماني، أو ما يسمى بـ«الجنبية» عند بعض بدو الربع الخالي، وتعايش مع سكانه من البدو، وعقد معهم الكثير من الصداقات، وأحب فيهم الكثير من الصفات الإنسانية الحميدة كنبلهم وكرمهم وشجاعتهم.
استعان مبارك بن لندن في تنقلاته ورحلاته بالعديد من أبناء القبائل في الربع الخالي، ومنهم الشيخ صالح بن مسعد الحتيش الصيعري أحد مرافقي مبارك بن لندن خلال عبوره الثاني للربع الخالي، حيث كانت رحلته من منطقة منوخ في بلاد الصيعر حتى الحسي قرب وادي الدواسر برفقة الشيخ صادر بن عجيان آل معــروف الصيعري -رحمه الله- من أجل حمايته من قبائل الربع الخالي.

مرافقو رحلات الشتاء السبع
«سالم بن كبينة الراشدي»، أحد رفقاء درب ويلفريد ثيسيغر الذين رافقوه عبر صحراء الربع الخالي مرتين بين عامي 1945 و1950 للميلاد. كما رافقه رجلان اشداء من قبيلة الرواشد الهمدانية القحطانية التي تقع منازلها في صحراء الربع الخالي وهما «سالم بن غبيشة الراشدي» و«سالم بن كبينة الراشدي» وهما دليلان وأصحاب معرفة في رمال الربع الخالي.
ويقول: كنا أربعة أشخاص نرافق «مبارك بن لندن» رافقناه مدة سبع سنوات في فصل الشتاء فقط، فعندما يحل الشتاء في الإمارات كان يجيئنا «ابن لندن»، ويبدأ رحلته من حيث انتهت، وعندما يحل الصيف كان يعود إلى بلاده. ويضيف: «كان عمري 13 سنة عندما اختارني لمرافقته للرحلة، لأصبح فيما بعد المفضل لديه، كنت أذهب معه أربع مرات إلى «صحراء الربع الخالي» من الإمارات إلى عمان وبالعكس، وهنا أذكر استقبال المغفور له الشيخ زايد بن سلطان لنا في مدينة العين، عندما دعمنا بالأموال والسلاح والزاد، وهو ما كان له الأثر الكبير في نجاح الرحلة».
منحه المغفور له الشيخ زايد بن سلطان وساماً تقديراً لجهوده الثمينة في اكتشاف المناطق العربية. ويرى «ابن كبينة» أن رحلة «ابن لندن» ورفاقه قد دخلت التاريخ من أوسع أبوابه لما لها من مكانة بين الاكتشافات الجغرافية في العالم.

مرجع تاريخي مهم
يعد مبارك بن لندن مرجعا تاريخيا مهما للرحلة، قام بالتقاط صور نادرة للحياة اليومية في الامارات. ولعل كتاب هويدا عطا «عابرو الربع الخالي.. رجال مبارك بن لندن يتحدثون» يكتسب أهميته من كونه يعيد إلى الضوء هؤلاء الفتيان وهم في سن الشيخوخة ليدلوا بشهاداتهم، وهم محاطون بالأبناء والأحفاد الذين يسردون ولأول مرة وقائع حية ويومية من تجارب هذه الرحلة الـــرائدة وهم «ابن كبينة» و«ابن غبيشة» و«ابن عمر» و«ابن كلوت». وعن مغامرته في الصحراء العربية، قال: «إن حياة الصحراء القاسية أعادتني إليها، إنه الانجذاب نفسه الذي يعيد الرجال إلى القطب الجنوبي وإلى الجبال الشاهقة».

في قلب رحلة ويلفريد ثيسيغر
في العراق، ساعــد الرحالة ويلفريد ثيسيغر مرافقه باقر الدجيلي في اكتشاف اهوار العراق، متنقلاً من مدينة إلى أخرى، لكي ينهل من الموروث والتاريخ. وقد مكنه من ذلك معرفته بالإنكليزية. وكتب عن المعدان، سكان الأهوار، وشرح ما غمض من المصطلحات المحلية. وقد علق عليها الدجيلي بإضافة مادة ثقافية مكملة ومصححة لملاحظات ثيسيجر عن سكان الاهوار الجنوبية.
وقد حظيت رحلات مبارك بن لندن الاستكشافية إلى الصحراء العربية بتقدير واسع، خاصة بحصولها على ميدالية جمعية الجغرافيين الملكيين، وميدالية لورانس العرب من الجمعية الملكية لآســيا الوسطى، وميدالية بورتون التذكارية من معهد السياتيك الملكي.
كما حظيت كتاباته أيضا بتقدير واسع حيث حصل على جائزة هنمان وزمالة من الجمعية الملكية للآداب وشهــادة دكتوراه فخرية في الآداب من جامعة ليستر.
وفي عام 1968 حصل على وسام فارس، وأنعمت عليه الملكة إليزابيـث ملكة بريطانيا بلقب سير، وقلد وساماً ملكياً في عام 1995.

أسفاره غطت الشرق الأوسط 
ولد الرحالة البريطاني ويلفريد ثيسيغر في أديس أبابا عام 1910 وتوفي عام 2003. سافر إلى كل من الجزيرة العربية ــ السعودية والإمارات ــ والعراق وإيران وباكستان وغرب أفريقيا، وكتب عنها عدة كتب اشهرها كتاب «الرمال العربية»و»عرب الأهوار».
تلقى تعليمه في كلية إيتون، وكلية مغدلن بجامعة أوكسفورد، حيث حصل على المركز الثالث في تاريخها.
في عام 1930، ثيسيغر عاد إلى أفريقيا، والتي تلقى منها دعوة شخصية من قبل الامبراطور هيلا سيلاسي لحضور تتويجه. عاد مرة أخرى في عام 1933 في رحلة استكشافية، ممولة جزئيا من الجمعية الجغرافية الملكية، لاستكشاف مجرى نهر أواش.
بعد ذلك، في عام 1935، سافر إلى السودان ليعمل في دارفور وأعالي النيل. بعد ذلك، خدم ثيسيغر في الصحراء البعيدة المدى خلال حملة شمال أفريقيا.
لقد عبر ويلفريد ثيسيغر الربع الخالي مرتين بين عامى 1945 و 1950 للميلاد. وكان من أهم مرافقيه شابان من قبيلة الرواشد الكثيرية، وهما سالم بن كبينة الراشدي الكثيري، وسالم بن غبيشة الراشدي الكثيري إذ أطلق على نفسه مبارك بن لندن. اقتادته أسفاره إلى العراق وبلاد فارس (إيران حاليا)، وكردستان، وباكستان، وغرب أفريقيا، وكينيا. وعاد إلى إنكلترا في 1990م، وحصل على لقب فارس في عام 1995. ثيسيغر التقط صورا كثيرة خلال أسفاره، وتبرع بمجموعة واسعة من «السلبيات» أو الصور، بلغت أكثر من 25000 صورة إلى متحف بيت ريفرز، وأوكسفورد.